تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

82

نظرية المعرفة

وعندما تهبط من ذلك المقام الشامخ وتتعلّق بالبدن الماديّ ، تفقد كل ما كانت تعلمه من المثل والحقائق ، وتذهل عنه ذهولًا تامّاً . ولكن عندما يعي الإنسان ، ويبدأ بإدراك الأُمور الجزئية ، يبدأ بتذكّر ما كانت تعلمه نفسه ، ويسترجع إدراكاتها بصورة مفاهيم كلية . فليس المفهوم الكلي المتجلي في الذهن إلّا انعكاس المُثُل في ذهن الإنسان . فمتى أدرك زيداً وعمراً ، انتقل فوراً إلى الحقيقة المثالية الّتي كانت تدركها النفس قبل اتّصالها بالبدن . فنظرية الاستذكار ترجع إلى حلّ عقدة كيفية انعكاس المفاهيم الكلية في ذهن الإنسان ، فهي تقول : إنّ إدراك المحسوسات مُعِدٌّ لاتّصال النفس بذاك العالم الشامخ الّذي كانت النفس تعيش فيه ، وبالتالي إدراك المثل وانعكاس ظلّها على النفس ، الّذي يعبّر عنه بالمفهوم المجرّد عن المقارنات . وقد أكّد أفلاطون أنّ الظواهر أُمورٌ فانية ، وليست أصولًا باقية ، والعلم الحقيقي يتعلق بالثابتات لا بالفانيات ، والمُثُل - بما أنّها واقعيات ثابتة - يتعلق بها العلم . هذه أبرز أُصول نظرية أفلاطون في المعرفة ، وهي بعدُ قابلة للنقد والنقاش ، وقد نقدها الفلاسفة الإسلاميون في أسفارهم . وعقد صدر المتألهين في أسفاره فصلًا في دفع ما قيل من أنّ النفس لا تدرك الجزئيات ، وممّا قاله : إنّ النفس ذات نشئات ثلاث : عقليّة وخياليّة وحسِّيَّة ، ولها اتّحاد بالعقل والخيال والحسّ . فالنفس عند إدراكها للمحسوسات تصير عين الحواسّ ، والحسُّ آلة وضعية ، تأثرها بمشاركة الوضع . فعند الإحساس يحصل أمران : تأثر الحاسة ، وإدراك النفس . والحاجة إلى الحضور الوضعي إنّما يكون من حيث التأثّر الحسّي ، وهو الانفعال ، لا من حيث الإدراك النفساني ، وهو حصول الصورة . « 1 » * * *

--> ( 1 ) . الأسفار الأربعة : 8 / 234 .